صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

25

تفسير القرآن الكريم

الأرواح والقلوب بمنزلة الكتب والصحائف ، ويصحّح إطلاق الكتاب والصحيفة عليها ، قوله تعالى : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [ 58 / 22 ] . وهل الكتاب إلا ما كتب فيه شيء ، سواء كان كتابة عقلية أو حسية ، وهل الكتاب إلا تصوير الحقائق ، سواء كان بآلة القصب والمداد في قرطاس أو جلد حيوان ، أو بواسطة الملك الملهم الملقي للحقائق في صفحة الدماغ أو النفس بمداد الفيض الإلهي ، ومن يحجبه الظاهر المحسوس عن الباطن المستور ولا يفهم من الميزان إلا ما له كفّتان ، ولا خبر له من موازنة العالمين وتطابق النشأتين ، فلا يمكنه التصديق بوجود كتب اللّه المنزلة على أنبيائه تصديقا عرفانيا ايمانيا ، بل تصديقا لسانيا أو تقليديا ، وشيء منهما لا يسمن ولا يغني ، ويحرم أيضا عليه معرفة صحائف الناس يوم العرض الأكبر ، وكذا الفرق بين كتاب الأبرار الأخيار ، وبين كتاب الفجار الأشرار ، المشار إليها بقوله تعالى : إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ [ 83 / 8 - 7 ] وقوله : إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ - هذا - [ 83 / 18 - 21 ] . وأما قوله « رَبِّ الْعالَمِينَ » ففيه إشارة إلى أن كل إنسان كامل حكيم عالم تام في نفسه ، إذ فيه صور جميع ما في العالم على وجه ألطف ، وقد ذكر الحكماء في معنى الحكمة إنها صيرورة الإنسان عالما معقولا مضاهيا للعالم المحسوس ، وقال أبو يزيد البسطامي : « لو أن العرش وما حواه دخل في زاوية من زوايا قلب أبي يزيد لما أحسّ به » فكل عالم رباني في الآخرة عالم تام لا يعوزه شيء من الأشياء ولا يفتقر إلى شيء خارج عنه وعن ملكه وعالمه وسلطانه ، ولا يبعد أن يكون هذا سر إيراده بصيغة الجمع الموضوعة لذوي العقول - فافهم وانتبه .